على الرغم من اختلاف العادات والتقاليد المتعارف عليها في الزيجات السعوديَّة، وتميّز كل منطقة بطقوس مختلفة عن الأخرى، إلا أنَّ هناك بعض المظاهر المشتركة التي تجمعها، مثل ليلة الحناء أو ما يعرف بــ«ليلة الغمرة»، وهي الليلة التي تسبق عادةً حفل الزواج بيوم واحد، وفيها تقوم العروس بارتداء زيّ مميّز من أزياء تراث المنطقة نفسها، قد يكون بدويّاً «محاريد» أو مدينيّاً «زبون»، وتقوم العروس بتغطية وجهها بالبرقع المزيّن بحبّات اللؤلؤ أو بجنيهات الفضّة، كي لا يُرى وجهها إلا يوم الفرح، حيث تقام هذه الليلة في منزل أهل العروس، التي تحرص على دعوة صديقاتها وأفراد أسرتها كي يحتفلن معها برسم الحناء.
«الجميلة» التقت عدداً من الفتيات والسيدات، ليطلعننا أكثر على ليلة الغمرة، خاصة بعد تمسّك بعض فتيات الجيل الحالي بها، وتطبيقها كما كانت، بطقوسها وعاداتها القديمة.
تغمر نفسها بالذهب
رقيّة هاشم (28 عاماً)، قالت: «عادة في هذه الليلة تدعو العروس صديقاتها المقرّبات وأفراد أسرتها، حيث يقمن برسم زخارف الحناء على أيديهن. أما العروس فتلبس ثوباً تقليديّاً مطرّزاً بألوان متعدّدة، وتتزيّن بالذهب، وتضع المشغولات الذهبيَّة على رأسها وحول عنقها، وأساور الذهب في كلتا يديها. وعادة ما تكون هذه المشغولات الذهبيَّة هديَّة من الزوج، وهناك بعض العرائس يضعن على وجوههنّ غطاء مطرّزاً يحجب رؤيته، في حين تفضّل أخريات وضع مساحيق التجميل وإبراز جمال الوجه والشعر». وتضيف: «ولعلّ كلمة «غمرة» اشتقّت من «الغمر»، وتعني أن تغمر العروس نفسها بالذهب، وترتدي الزيّ التقليدي المطرّز بالخرز المذهّب، وتلبس برقعاً مشغولاً بالذهب، ويُسمح لها بأن تكشف يديها وأرجلها لنقش الحناء».
ليلة الهدايا والتقاليد القديمة
تضيف أم صالح (أم لأربعة أبناء)، أنَّ «الغُمرة من الطقوس الإلزاميَّة في منطقة المدينة المنوّرة، ولا مجال إطلاقاً أن تتجاهل العروس الغمرة، فهي تربطنا بعاداتنا وتقاليدنا المتوارثة». وحول تكاليف هذه اليلة وتفاصيلها، تضيف: «تكلّف ليلة الحناء عشرين ألف ريال، وهي الفرصة الوحيدة التي نحتقل فيها بعاداتنا القديمة ونتقاسمها مع الأجيال السابقة، خاصة أنَّ الفتيات اليوم يفضّلن زواجاً عصريّاً بسيطاً. وتختلف تفاصيل الغمرة في المدينة، لكن الأبرز هو أن ترتدي العروس زيّاً مذهّباً غالي الثمن يطلق عليه «الزبون»، وهو مخصّص لليلة الحناء، وعادة ما تختار العروس اللون الأبيض أو الوردي. وفي هذه اليلة يقدّم الضيوف هدايا قيّمة وثمينة للعروس، تشمل الذهب والعطور الراقية لعرضها أمام الجميع، ثم تُزفّ العروس برفقة والدتها وأخواتها وخالاتها، وتستمرّ الموسيقى والرقص، طوال الليل، وقد يُقام الحفل في استراحة، أو في منزل أهل العروس».
أثواب للتأجير تُسهّل المهّمات الصعبة وتختصر الوقت
تقول فوزيّة أحمد، مالكة محل تأجير مستلزمات أعراس، أنَّ إيجار فستان الغمرة، قد يكلّف العروس ما بين 2000 إلى 5000 ريال لليلة الواحدة، حسب الخامة المستخدمة والتصميم وأناقة الموديل، وهناك تشكيلة واسعة من فساتين الغُمرة، وبألوان وتصاميم ومقاسات مختلفة، وبعض العرائس يفضّلن الزيّ الهنديّ، وهنالك ممّن يحافظن على الأزياء الخليجيَّة أو الحجازيَّة.
نقش الحنّاء عادة مهملة اليوم
المتخصّصة في نقش الحنّاء، شاهين، أوضحت أنَّه قبل عشر سنوات كانت العرائس يطلبن رسوماً بسيطة على الأيدي والأرجل، أما الآن فأصبحن يطلبن رسومات فنيَّة، تشمل الورود والمنحنيات وبعض الأشكال. وتضيف قائلة: «تختلف الغُمرة اليوم عمّا كانت عليه قبل 20 سنة، حيث كان التزيّن بالحنّاء إجباريّاً، أما اليوم فمعظم الفتيات يرفضن الحنّاء، ولا يرغبن بوضعها على أيديهن وأرجلهن، رغم أنّهن يحرصن على جلب متخصّصة في نقش الحنّاء، على أن يقتصر عملها على النقش للسيّدات الكبيرات في السنّ اللواتي يحضرن الحفل. وتأسف شاهين على إهمال هذا التقليد الجميل، خاصة أنَّ الحنّاء تعدّ من أقدم التقاليد في المملكة، وكانت العرائس لا يملن إلى وضع المساحيق، ويكتفين بقليل من مرطّب الشفاه، ويزيّنّ أيديهنّ وأرجلهنّ بالحنّاء.
حفلات اليوم باذخة وباهظة
لكن نظيرة دخيل (73 عاماً)، تعتقد أنَّ الفتيات بدأن بالتنافس حول من تقيم أفضل غمرة، بل وأصبحن ينفقن الكثير من المال ليحظين بليلة حنّاء أفضل من غيرها. وتقارن دخيل بين الغُمرة في السابق وبينها اليوم، قائلة: «في أيامنا كانت ليلة الحناء مصغّرة، تضمّ الأسرة والأصدقاء المقرّبين، أما اليوم فأصبحت تقام حفلات غمرة باذخة وباهظة، وأصبحت شبيهة بالليلة الكبيرة، ليلة الزفاف».
سعوديّات لا يكتفين بالحنّاء
تقيم بعض الفتيات السعوديّات ليالي الغُمرة بطقوس جديدة مختلفة عن التقليديّة، حيث تقول مريم الصاعدي (24 عاماً) لـ«الجميلة»: «لم أشأ أن تكون ليلة الغمرة تقليديّة، فهي الليلة التي استمتع فيها مع صديقاتي وقريباتي، وأتحرّك فيها براحتي دون تكلّف، كما يحتّم عليّ فعله ليلة الزواج الكبيرة، مع الفستان الأبيض والكعب العالي. و قرّرت ليلتها أن أقدّم للحضور مجموعةً من الوصلات والرقصات الفنيّة، حيث تواصلت مع فرقة متخصّصة في إحياء الحفلات، والتي تأتي إلى البيت ومعها عدّتها كاملة، وتقوم بتقديم عدّة عروض فلكلورية وغربية منوّعة، تشارك الحاضرات فيها بالرقص والغناء والاستمتاع».
وتقوم المتعهدّة بتوفير ملابس خاصة للعروس وبمساعدتها، مع كلّ وصلة، على تبديل الزيّ ولبس آخر ليتماشى مع الأغاني والفكرة عموماً. و تجد مريم أنّ هذه الفكرة لاقت استحان الجميع، حيث نقلتهم من داخل المنزل الى أكثر من ثلاثة بلدان، بكلّ طقوسها وأجوائها، بلمح البصر، ما جعل منها ليلةً لا تنسى».
بواسطة 